محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فأحصوا عدتهم ، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى فيما يرون وأصحابه وفقدوا رجلا من العدة ، فهو الذي اختلفوا فيه . وكانوا لا يعرفون عيسى ، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطأ ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه ، فقال لهم : إذا دخلتم عليه فإني سأقبله ، وهو الذي أقبل فخذوه فلما دخلوا عليه ، وقد رفع عيسى ، رأى سرجس في صورة عيسى ، فلم يشك أنه هو عيسى ، فأكب عليه فقبله ، فأخذوه فصلبوه . ثم إن يودس زكريا يوطأ ندم على ما صنع ، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه ، وهو ملعون في النصارى ، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه . وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطأ هو الذي شبه لهم فصلبوه ، وهو يقول : إني لست بصاحبكم أنا الذي دللتكم عليه والله أعلم أي ذلك كان . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : بلغنا أن عيسى ابن مريم قال لأصحابه : أيكم ينتدب فيلقى عليه شبهي فيقتل ؟ فقال رجل من أصحابه : أنا يا نبي الله . فألقي عليه شبه فقتل ، ورفع الله نبيه إليه . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : شُبِّهَ لَهُمْ قال : صلبوا رجلا غير عيسى يحسبونه إياه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ فذكر مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : صلبوا رجلا شبهوه بعيسى يحسبونه إياه ، ورفع الله إليه عيسى عليه السلام حيا . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب أحد القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه ، من أن شبه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم ، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك ، ولكن ليخزي الله بذلك اليهود وينقذ به نبيه عليه السلام من مكروه ما أرادوا به من القتل ، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قيله في عيسى وصدق الخبر عن أمره . أو القول الذي رواه عبد العزيز عنه . وإنما قلنا : ذلك أولى القولين بالصواب ، لأن الذين شهدوا عيسى من الحواريين لو كانوا في حال ما رفع عيسى ، وألقي شبهه عليه من ألقي عليه شبهه ، كانوا قد عاينوا عيسى وهو يرفع من بينهم ، وأثبتوا الذي ألقي عليه شبهه ، وعاينوه متحولا في صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بمحضر منهم ، لم يخف ذلك من أمر عيسى ، وأمر من ألقي عليه شبهه عليهم مع معاينتهم ذلك كله ، ولم يلتبس ولم يشكل عليهم وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتول والمصلوب كان غير عيسى ، وأن عيسى رفع من بينهم حيا . وكيف يجوز أن يكون قد أشكل ذلك عليهم ، وقد سمعوا من عيسى مقالته : من يلقى عليه شبهي ويكون رفيقي في الجنة ؟ إن كان قال لهم ذلك ، وسمعوا جواب مجيبه منهم : أنا ، وعاينوا تحول المجيب في صورة عيسى بعقب جوابه . ولكن ذلك كان إن شاء الله على نحو ما وصف وهب بن منبه ، إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت الذي رفع منه من حواريه حولهم الله جميعا في صورة عيسى حين أراد الله رفعه ، فلم يثبتوا عيسى معرفة بعينه من غيره لتشابه صور جميعهم ، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يرونه بصورة عيسى ويحسبونه إياه ، لأنهم كانوا به عارفين قبل ذلك ، وظن الذين كانوا في البيت مع عيسى مثل الذي ظنت اليهود ، لأنهم لم يميزوا شخص عيسى من شخص غيره لتشابه شخصه وشخص غيره ممن كان معه في البيت ، فاتفقوا جميعهم أعني اليهود والنصارى من أجل ذلك على أن المقتول كان عيسى ، ولم يكن به ، ولكنه شبه لهم ، كما قال الله جل ثناؤه : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه ، أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود ، وبقي عيسى ، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غير عيسى وغير الذي ألقي عليه شبهه ، ورفع عيسى ، فقتل الذي تحول في صورة